صورة الذكاء مع المحاماة
صورة التعديلات

صلاح الضمان الاجتماعي الأردني 2026: بين حماية الحقوق واستدامة النظام المالي

في أوائل عام 2026، دخلت تعديلات جوهرية على قانون الضمان الاجتماعي رقم (1) لسنة 2014 والناظم لحماية اجتماعية واسعة في الأردن، مرحلة التشريع بعد أن أقرّت مؤسسة الضمان الاجتماعي مقترحها وأحالته إلى مجلس الوزراء تمهيدًا لعرضه على مجلس النواب. تمثل هذه التعديلات محاولة إصلاحية بالغة الأهمية، تستند إلى نتائج الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي أعدتها المؤسسة، والتي أبرزت وجود تحديات هيكلية مالية تستدعي إصلاحات متوازنة لضمان استدامة النظام على المدى المتوسط والطويل، وطرحت هذه التعديلات ضمن حوار وطني شارك فيه مسؤولون وخبراء وممثلون عن المجتمع المدني والجهات الرقابية.

في صميم التعديلات المقترحة رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيًا، بحيث يصبح 63 عامًا للذكور و58 عامًا للإناث بدلًا من 60 و55 عامًا على التوالي وفق القانون الحالي. هذا التغيير ليس هدفه التقليص من الحقوق بالمطلق، بل الاستجابة لضغوط مالية واقعية على الصندوق نتيجة زيادة متوسطات العمر وتراجع معدلات النمو الاقتصادي النسبي وإذكاء التوازن بين أعباء الصرف والإيرادات، وأتيح للتعديل أن يكون تدريجيًا كي لا يخلق صدًى صادمًا بين المستفيدين.

من الناحية القانونية، يُعد رفع سن التقاعد تغييرًا في النظام الموضوعي للحقوق التأمينية، ويتطلب أن يُراعى فيه مبدأ عدم المساس بالأثر الرجعي للحقوق المكتسبة، وهو مبدأ دستوري وتشريعي متجذّر في القانون الأردني، إذ لا يجوز فرض تعديل يُؤثر سلبًا على امتيازات أو حقوق استحقها شخص بموجب القانون الساري قبل دخول التعديل حيز التنفيذ إلا بنص واضح ومبرر قانونيًا، مع تدابير انتقالية مناسبة. وقد أُشير في مداولات الحوار الوطني رسميًا إلى ضرورة احترام الحقوق المكتسبة للمشتركين قبل دخول التعديلات حيز التنفيذ؛ وهو أمر يتماشى مع قاعدة القانون العام القاضية بعدم أثرية التعديلات المضرة ذهاباً في الحقوق.

إضافة إلى ذلك، ركّز المقترح على تقليص التقاعد المبكر وجعله استثناءً مع رفع الحد الأدنى لمدة الاشتراك اللازم لاستحقاقه، وذلك استنادًا إلى أن التقاعد المبكر، على النمط الحالي، يضغط بصورة حادة على الموارد المالية للصندوق ويقلّص فترة الإسهام الفعلي للمشتركين، ما يفاقم الفجوة بين الاشتراكات المجمعة والمنافع المدفوعة. وفي هذا السياق، يُمكن اعتبار تشديد شروط التقاعد المبكر محاولة لتحقيق عدالة بين الأجيال، بمعنى ألا يتحمل المشتركون الحاليون عبء نظام تمويل غير متوازن يصرف قبل بلوغ الأجل الطبيعي المحدد في القانون.

التعديلات المقترحة أيضًا لم تقتصر على سن التقاعد وشروطه، بل طالت توسيع مظلة الشمول التأميني لتشمل شرائح من العاملين في الاقتصاد غير النظامي والعاملين بعقود مؤقتة، في محاولة لسد فجوة العمال غير المشمولين بالضمان الاجتماعي وتقليل ظاهرة التملّص التأميني التي تمثل عبئًا مضاعفًا على الموارد. فالنظام، بوصفه شبكة حماية اجتماعية وطنية، لا يمكن أن يُحقق أهدافه العدلية والوقائية ما لم يشمل أكبر عدد ممكن من العاملين المؤهلين.

من ناحية أخرى، طرحت توصيات الحوار الوطني ضرورة تطوير حوكمة إدارة المؤسسة واستراتيجيات استثمار أموالها، بما يعزز استقلاليتها الإدارية والمالية عن الضغوط السياسية والاقتصادية قصيرة المدى، وهي مسألة قانونية وتنظيمية ذات أثر مباشر على قدرة المؤسسة على تنفيذ التزاماتها مستقبلاً. وقد تقدّم بعض النواب بمبادرات لتعديل مواد قانون الضمان تتعلق بآليات الاستثمار وتنظيمها، مؤكدين الحاجة إلى إطار تشريعي خاص لإدارة الاستثمارات وتعزيز الشفافية في التعامل مع موارد الصندوق.

أما من منظور الحقوق والحماية، فقد نوقشت في الندوات القانونية التي عقدها المركز الوطني لحقوق الإنسان أهمية أن تكون التعديلات متوازنة وتكفل حماية الفئات الأكثر هشاشة، وأن تصاغ بما يحترم معايير حقوق الإنسان في سياق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما الحق في الضمان الاجتماعي المكفول دستوريًا. وطالب المشاركون أن تشمل التعديلات ضمانات صريحة لا تترك مجالًا للتفسير الضيق الذي قد يحدّ من فعالية الحماية الاجتماعية في حالات العجز والبطالة والأمومة.

من زاوية النقد القانوني والاقتصادي، يرى بعض المراقبين أن التعديلات تمثل استجابة ضرورية لضغوط مالية هيكلية، خصوصًا في ضوء التحذيرات الدولية من تراجع استدامة أنظمة الضمان الاجتماعي إن لم تُجرَ إصلاحات متوازنة، مثل التحذير الذي أطلقه صندوق النقد الدولي حول احتمالات تجاوز مدفوعات التقاعد المتزايدة إيرادات الاشتراكات مستقبلًا، مما قد يدفع الدولة إلى تمويل العجز من الموازنة العامة إذا لم تُتخذ إصلاحات مناسبة.

ختامًا، يمكن القول إن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي الأردني تمثل محاولة قانونية متوازنة لإعادة تأهيل إطار الضمان الاجتماعي لمواجهة تحديات مالية وديموغرافية معاصرة، ضمن احترام لمبادئ حماية الحقوق المكتسبة وعدم أثرية التعديلات بأثر رجعي، وضمن سعي جاد لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وإحكام قواعدها القانونية والاقتصادية. يبقى التحدي في أن تُعبّر صيغ التعديل النهائي عن هذا التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية والحماية القانونية للشخص المؤمن عليه عند مناقشتها وإقرارها في المجلسين التنفيذي والتشريعي معًا.

اشترك في نشرتنا البريدية

قم بالتسجيل لتلقي محتوى رائع في صندوق الوارد الخاص بك، كل شهر.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *